ابن كثير
61
البداية والنهاية
البيهقي وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة . انفرد به البخاري . وقد رواه في أماكن من صحيحه وصرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو أشبه لرواية عروة عنه ، وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة ( 1 ) . وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم ( 2 ) عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق : حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة . قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهره من عداوته ( 3 ) ؟ فقال : لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ، سفه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعاتنا ، وسب آلهتنا ، وصرنا منه ( 4 ) على أمر عظيم - أو كما قال - قال فبينما هم في ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها . فقال ( 5 ) : " أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح " . فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع ( 6 ) حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه [ أحسن ما يجد من القول ] حتى إنه ليقول انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول . فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه ، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه . فبينما هم على ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم ، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم أنا الذي أقول ذلك " ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه ، وقام أبو بكر يبكي ( 7 ) دونه ويقول : ويلكم ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) ثم انصرفوا عنه . فإن ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط .
--> ( 1 ) الحديث في سيرة ابن هشام 1 / 309 . والبخاري في صحيحه في 62 كتاب فضائل الصحابة ( 5 ) باب حديث 3678 ، وفي 63 كتاب مناقب الأنصار 29 باب حديث 3856 وفي 65 كتاب التفسير ( 40 ) باب تفسير سورة المؤمن حديث 4815 . ( 2 ) الحاكم : محمد بن عبد الله الحافظ ، والأصم : أبو العباس محمد بن يعقوب . ( 3 ) العبارة في سيرة ابن هشام : أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته ؟ ( 4 ) في دلائل البيهقي : وصبرنا منه ، وفي سيرة ابن هشام . لقد صبرنا منه . ( 5 ) في السيرة والدلائل : فوقف ثم قال : ( 6 ) في السيرة والدلائل : واقع . ( 7 ) في الأصل ونسخ البداية المطبوعة : " ينكى " وهو تحريف .